قلبك انتصر للإنسان ودافع عن الفطرة

Picture of محمد الشرشابي

محمد الشرشابي

رجاء إعداد سيرة مهنية مختصرة لوضعها مع مقالات الكاتب
عيادة الأسنان، بما فيها من معنى العلاج والإصلاح، فقد تكون دعوة إلى التعامل مع القلق بطريقة صحية: لا بالاستسلام للوساوس، ولا بتفسير كل رمز باعتباره علامة على مصيبة، بل باللجوء إلى الله، وحسن الظن...
قلبك انتصر للإنسان ودافع عن الفطرة

قلبك انتصر للإنسان ودافع عن الفطرة

س
رأيت أنني ذهبت إلى عيادة أسنان، فوجدت سيدة مسكينة كانت تسكن بجوار بيتنا القديم، لكنها ظهرت في المنام في هيئة حسنة وحال أفضل بكثير مما كانت عليه، ففرحت لها وتعجبت من علامات الخير التي بدت عليها، لأنها كانت امرأة طيبة. ثم دخل شخص وتحدث معها بطريقة غير لائقة، وسألها باستخفاف: «ألستِ أنتِ عاملة النظافة التي تعمل في هذه العيادة؟»، فتدخلتُ ودافعت عنها وقلت له ألا يخاطبها بهذه الطريقة، فهي إنسانة مثلنا وقد حضرت للكشف، لكنه عاد ليسألني: «إذن أنتِ عاملة النظافة؟»، فحدثت بيننا مشادة كلامية. وقد استيقظت منزعجة من الرؤيا، خصوصًا أنني أنتظر نتيجة امتحان ابنتي. فما دلالة ظهور هذه المرأة في هيئة أفضل، وما معنى الدفاع عنها، وهل يمكن أن تكون الرؤيا مرتبطة بانتظار نتيجة ابنتي؟
جــــ

 

تبدأ الرؤيا من عيادة الأسنان، وهو رمز يرتبط في الوعي الإنساني بالعلاج والإصلاح وإزالة الألم. فالأسنان جزء ظاهر من الإنسان، لكنها في الوقت نفسه قد تكون مصدرًا للألم إذا أصابها خلل، ولذلك فإن رؤية عيادة الأسنان قد تشير إلى مرحلة يحاول فيها الإنسان معالجة أمر يقلقه أو إصلاح شيء يشغله أو انتظار نتيجة تتعلق بمسألة تحتاج إلى طمأنة وتقييم.

وبما أن الرائية تنتظر نتيجة امتحان ابنتها، فمن الطبيعي أن يكون القلق قد وجد طريقه إلى عالم الأحلام. فالانتظار، ولا سيما انتظار نتيجة تتعلق بمستقبل الابن أو الابنة، يضع الأم في حالة من الترقب النفسي؛ فتظل الأسئلة حاضرة في داخلها: هل ستكون النتيجة مرضية؟ هل سيأتي التعب بثماره؟ هل ستفرح ابنتي أم تصاب بخيبة؟ وقد تنعكس هذه المشاعر في الرؤى على هيئة رموز متعددة لا تكون بالضرورة نبوءة مباشرة بالنتيجة.

أما السيدة التي كانت تسكن بجوار البيت القديم، فإن ظهورها يرتبط غالبًا بالذاكرة. فالبيت القديم في الرؤى قد يرمز إلى الماضي، وإلى مرحلة سابقة من حياة الإنسان، وإلى أشخاص تركوا أثرًا في الذاكرة ولو لم يعد بينهم وبين الرائي تواصل مباشر. وكون هذه السيدة كانت طيبة في نظر الرائية مهم للغاية؛ لأن الرؤى لا تستحضر الأشخاص دائمًا بسبب مكانتهم الاجتماعية، وإنما قد تستحضرهم بسبب المعنى الذي يمثلونه في وجدان صاحب الرؤيا.

والأجمل في هذا المشهد أن الرائية لم ترَ المرأة في صورة ضعف أو فقر أو انكسار، بل رأتها على أفضل هيئة وأحسن حال. وهذه صورة تحمل معنى حسنًا في الجملة، وقد ترمز إلى تحسن في الحال، أو انفراج بعد ضيق، أو تكريم معنوي لمن عانى في حياته. وليس المقصود بالضرورة أن هذه المرأة نفسها ستتعرض لحدث محدد، وإنما قد يكون ظهورها بهذه الهيئة رسالة رمزية بأن الإنسان لا ينبغي أن يُختزل في ماضيه أو ظروفه أو مهنته.

وقد يكون في هذا الجزء من الرؤيا انعكاس واضح لشعور الرائية الداخلي تجاه هذه المرأة؛ فهي تعرف أنها كانت طيبة، ولذلك فرحت لرؤيتها في حال أفضل. وهذا يكشف عن رحمة راسخة في شخصية الرائية، وعن قدرة على رؤية الإنسان وراء المظهر الاجتماعي.

ثم يأتي المشهد المحوري في الرؤيا: شخص يتحدث مع المرأة بطريقة غير لائقة ويعرّفها من خلال عملها. هنا تظهر قضية أخلاقية وإنسانية عميقة. فالسؤال لم يكن مجرد استفسار عن مهنتها، بل جاء في سياق يحمل انتقاصًا أو استعلاءً. ولذلك بادرت الرائية إلى الدفاع عنها.

وهذا الدفاع لا يدل فقط على نصرة امرأة في المنام، بل قد يكون انعكاسًا لمبدأ داخلي لدى الرائية: أن كرامة الإنسان لا تتحدد بوظيفته ولا بمستواه المادي ولا بنظرة الآخرين إليه. وفي المنظور الإسلامي، فإن معيار التفاضل الحقيقي ليس المال ولا المهنة ولا المظهر، وإنما التقوى والعمل الصالح، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

ومن هنا يمكن فهم شدة انزعاج الرائية من الشخص الذي أساء إلى المرأة؛ لأن الإساءة لم تكن موجهة إلى شخص مجهول فحسب، بل إلى قيمة تؤمن بها الرائية. ولذلك فإن المشادة الكلامية قد ترمز إلى رفض الظلم، ورفض الإهانة، وعدم القدرة على السكوت حين ترى إنسانًا يُحتقر بسبب عمله أو حاله.

أما قول الرائية للرجل: «هي مثلها مثلنا»، فهو من أقوى عبارات الرؤيا دلالة. فهذه العبارة تختصر معنى إنسانيًّا راقيًا: لا أحد يملك حق إهانة إنسان آخر لمجرد اختلاف المهنة أو المستوى الاجتماعي. وقد يكون المنام هنا مرآة لضمير الرائية أكثر من كونه رسالة عن المرأة نفسها.

ثم إن الرجل عندما رد عليها بقوله: «إذن أنتِ عاملة النظافة»، بدا وكأنه يحاول نقل الإهانة إليها لأنها دافعت عن المرأة. وهذا قد يرمز نفسيًّا إلى أن الإنسان الذي يدافع عن الحق قد يتعرض أحيانًا لمحاولة إسكات أو تصنيف أو اتهام. وقد تكون الرؤيا تعكس تجربة أو شعورًا لدى الرائية بأنها لا تحب المجاملة حين ترى تجاوزًا، وأنها قد تدخل في جدال دفاعًا عن الضعيف أو المظلوم.

لكن ينبغي هنا الانتباه إلى جانب آخر: المشادة الكلامية في المنام قد تعكس أيضًا ضغطًا نفسيًّا مكبوتًا. فالرائية تنتظر نتيجة امتحان ابنتها، والانتظار يرفع مستوى التوتر، وقد يتحول القلق الداخلي في الحلم إلى مواجهة مع شخص مستفز. وكأن النفس تبحث عن منفذ لمشاعرها، فتضعها في مشهد من الجدال والصدام.

ولهذا فإن الرؤيا لا تبدو في أصلها نذيرًا سيئًا، بل يغلب عليها معنى الكرامة، والإنصاف، وظهور الخير بعد حال سابقة، ورفض الظلم. أما القلق الذي شعرت به الرائية بعد الاستيقاظ، فربما كان مرتبطًا أكثر بانتظار نتيجة ابنتها، لا بمضمون الرؤيا ذاته.

وبالنسبة إلى نتيجة الامتحان، فلا يصح الجزم من هذه الرؤيا بأنها تحمل نجاحًا أو رسوبًا؛ فالرؤى لا تمنحنا عادةً نتائج قطعية في مسائل المستقبل، ولا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن الواقع والأسباب. غير أن ظهور المرأة في هيئة حسنة، وفرح الرائية لها، قد يحمل معنى نفسيًّا مطمئنًا من حيث إن الرؤيا لم تكن قائمة على خراب أو فقد أو انهيار، بل على تحسن في الحال وانتصار للكرامة.

وقد يكون من المفيد للرائية أن تتذكر أن نتيجة الامتحان، مهما كانت، لا تختصر قيمة ابنتها ولا مستقبلها كله. فالامتحان يقيس أداءً في وقت محدد، ولا يقيس الإنسان بكامل قدراته ومواهبه وأخلاقه. وربما كان في الرؤيا نفسها معنى يصلح أن يكون رسالة للأم: لا تختزلي ابنتك في نتيجة، كما لا ينبغي اختزال المرأة في مهنتها.

وهنا يظهر رابط لطيف بين عناصر الرؤيا جميعًا؛ فالمرأة القديمة التي كانت تبدو في حال بسيطة ظهرت في صورة أفضل، وكأن المنام يذكّر بأن الظاهر الحالي ليس نهاية القصة. وقد يكون هذا المعنى مهمًا في حالة انتظار نتيجة الابنة؛ فدرجة أو نتيجة واحدة لا ينبغي أن تكون حكمًا نهائيًّا على المستقبل، كما أن حال الإنسان في مرحلة من حياته لا يحدد بالضرورة ما سيؤول إليه أمره بعد ذلك.

أما عيادة الأسنان، بما فيها من معنى العلاج والإصلاح، فقد تكون دعوة إلى التعامل مع القلق بطريقة صحية: لا بالاستسلام للوساوس، ولا بتفسير كل رمز باعتباره علامة على مصيبة، بل باللجوء إلى الله، وحسن الظن به، ودعم الابنة نفسيًّا، وتذكيرها بأن بذل الجهد هو ما يقع في دائرة القدرة، أما النتائج فتبقى بقدر الله.

ومن الناحية النفسية، يُنصح بألا تجعل الرائية فترة انتظار النتيجة مساحة مفتوحة للقلق المستمر، وألا تكرر التفكير في أسوأ الاحتمالات. فالأم قد تحمل همّ ابنتها أكثر مما تحمل الابنة نفسها، وقد تتحول المحبة إلى خوف زائد إذا لم تُضبط بالثقة بالله وبالواقعية. ومن النافع في هذه المرحلة أن تُشعر ابنتها بأن محبتها لها لا تتوقف على رقم، وأن النتيجة مهما كانت يمكن التعامل معها، وأن النجاح الحقيقي ليس في ألا يتعثر الإنسان أبدًا، بل في أن يعرف كيف يواصل الطريق بعد كل نتيجة.

ومن الجانب الديني، يستحب للرائية أن تلجأ إلى الدعاء والسكينة، وأن تحسن الظن بالله، وأن تتذكر أن الرؤيا الحسنة يُستبشر بها دون أن يُبنى عليها حكم قطعي. وإذا كان في الرؤيا معنى ظاهر من الخير، كتحسن حال المرأة والدفاع عن المظلوم، فلتأخذ منه ما يحثها على الرحمة والعدل، ولتترك ما عدا ذلك من القلق والظنون.

ولعل أجمل ما في المنام أن الرائية فرحت لخير امرأة لم تكن صاحبة جاه أو مال، ثم غضبت حين تعرضت للإهانة. وهذا يدل على أن قيمة الإنسان في وجدانها لا تُبنى على طبقته ولا على مهنته، وهي خصلة نبيلة ينبغي الحفاظ عليها؛ فكم من إنسان يراه الناس بسيطًا، وهو عند الله عظيم بما يحمل من أمانة وصدق وصبر، وكم من صاحب مظهر وجاه لا يساوي عند ميزان الأخلاق شيئًا.

فلتطمئن الرائية، ولتجعل انتظار نتيجة ابنتها فرصة للدعاء لا للهلع، ولتحتضن ابنتها في كل الأحوال، ولتتذكر أن الإنسان قد ينتقل من حال إلى حال، وأن الأيام لا تثبت على صورة واحدة، وأن ما يبدو اليوم نتيجة عابرة قد يكون غدًا مجرد محطة صغيرة في طريق طويل لا يزال يحمل من الخير ما لم يخطر على البال.

 

 

ذات صلة
كلمات في الوجه تسبق اللسانَ.. كيف أتحكم في انفعالاتي أمام الناس؟
ظهور المشاعر على الوجه ليس في ذاته عيبًا أخلاقيًا ولا مرضًا نفسيًا. فالوجه في كثير من الأحيان مرآة سريعة...
المزيد »
ما أفضل الطرق لعلاج الدهون الثلاثية وخفضها بشكل آمن؟
يعد هذا السؤال من أكثر الأسئلة أهمية لدى الأشخاص الذين تظهر لديهم مستويات مرتفعة من الدهون الثلاثية،...
المزيد »
العلاج الجيني يفتح بابا جديدا لاستعادة البصر وإعادة بناء الشبكية
كشفت دراسة علمية أمريكية عن نتائج واعدة قد تمهد الطريق أمام توسيع استخدام العلاج الجيني في استعادة البصر...
المزيد »
جوجل تفاجئ مستخدمي جيميناي.. «Skills» تحل محل «Gems»
تستعد شركة جوجل لإجراء تغيير جديد في طريقة تخصيص المستخدمين لخدمة جيميناي، من خلال استبدال ميزة "جيمز"...
المزيد »
التغذية السليمة في مرحلة الشيخوخة..
تحتاج مرحلة الشيخوخة إلى اهتمام خاص بالتغذية، لأن احتياجات الجسم تتغير مع التقدم في العمر، وقد تتراجع...
المزيد »
فن صناعة الذكريات.. تفاصيل بسيطة تمنح حياة مليئة بالمودة
لا تقاس قوة الحياة الزوجية بعدد السنوات التي يعيشها الزوجان معا فقط، وإنما بما يصنعانه خلال هذه السنوات...
المزيد »
عقوق الأبناء.. أسبابه وطرق التعامل معه وبناء جسور البر داخل الأسرة
ظاهرة عقوق الأبناء من أكثر المشكلات الأسرية التي تترك آثارا عميقة على استقرار البيت وتماسكه، خاصة عندما...
المزيد »
الأم المعاصرة في اختبار صعب.. كيف تواجه عواصف التربية الحديثة؟
تواجه الأم المعاصرة مجموعة متزايدة من التحديات التربوية نتيجة التحولات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية...
المزيد »
تأخر الزواج والاستقرار من أبرز تحديات الشباب المسلم
يواجه الشباب المسلم في العصر الحديث تحديات متزايدة فرضتها التحولات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية،...
المزيد »
آداب التعامل التي ينبغي تعليمها للطفل المسلم
تعد مرحلة الطفولة الأساس الذي تتشكل خلاله شخصية الإنسان، ولذلك فإن تعليم الطفل المسلم آداب التعامل لا...
المزيد »
توزيع المهام المنزلية وأثره في استقرار الأسرة
يمثل توزيع المهام المنزلية بين أفراد الأسرة أحد العوامل المهمة في تحقيق الاستقرار الأسري، لأنه يعزز التعاون...
المزيد »
القدوة الحسنة وأثرها في التربية الإسلامية وبناء شخصية المسلم
تعد القدوة الحسنة من أهم الوسائل التي اعتمدت عليها التربية الإسلامية في بناء الإنسان، فالسلوك العملي...
المزيد »
كتلة تحت الجلد.. متى تكون بسيطة ومتى تستدعي الفحص الطبي؟
قد يلاحظ بعض الأشخاص ظهور كتلة أو عقدة صلبة تحت الجلد في الذراع أو الساق أو الرقبة أو في مناطق مختلفة...
المزيد »
الذكاء الاصطناعي
كشفت دراسة يابانية حديثة عن تقنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي يمكنها رصد مؤشرات مرتبطة بارتفاع ضغط الدم...
المزيد »
الأجداد مدرسة الاحترام الأولى..
يمثل احترام كبار السن قيمة إنسانية وأخلاقية رفيعة، ويعد من السلوكيات التي ينبغي أن يتعلمها الأبناء منذ...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك