إخراج القيمة في الزكاة..

رؤية الإمام الشافعي وضوابط أداء الفريضة

الزكاة من أعظم العبادات المالية في الإسلام، وقد اعتنى الفقهاء ببيان أحكامها وتفصيل مسائلها، ومن المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أهل العلم مسألة إخراج القيمة بدلا من العين التي تعلقت بها الزكاة...
إخراج القيمة في الزكاة..

إخراج القيمة في الزكاة..

رؤية الإمام الشافعي وضوابط أداء الفريضة

الزكاة من أعظم العبادات المالية في الإسلام، وقد اعتنى الفقهاء ببيان أحكامها وتفصيل مسائلها، ومن المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أهل العلم مسألة إخراج القيمة بدلا من العين التي تعلقت بها الزكاة. والمقصود بإخراج القيمة أن يؤدي المزكي مقدار الزكاة المستحقة عليه من النقود أو من مال آخر يعادل قيمة الواجب، بدلا من إخراجه من جنس المال الذي وجبت فيه الزكاة.

وقد عرف الفقه الإسلامي اختلافا في هذه المسألة، فذهب جمهور من العلماء إلى عدم إجزاء إخراج القيمة في أنواع من الزكاة، بينما أجازها أبو حنيفة في الجملة، ووردت تفصيلات واختلافات في بعض صورها عند غيره من الفقهاء. أما الإمام الشافعي رحمه الله فله موقف واضح في الأصل من إخراج القيمة، يقوم على التمسك بالعين التي تعلق بها الوجوب، مع وجود تفصيلات مهمة في بعض أبواب الزكاة، وخاصة زكاة عروض التجارة.

المقصود بإخراج القيمة في الزكاة

يقصد بالقيمة في هذا الباب أن يقوم المزكي المال الذي وجبت فيه الزكاة بالنقود، ثم يدفع مقدار الزكاة نقدا بدلا من إخراج المال نفسه. ويظهر ذلك بوضوح في زكاة الماشية، كمن وجبت عليه شاة في زكاة الإبل، فيدفع قيمتها مالا بدلا من الشاة.

وهذه المسألة تختلف عن الحالات التي تكون القيمة هي محل الوجوب أصلا، كما هو الشأن في عروض التجارة عند الإمام الشافعي في القول الجديد؛ إذ تقوم العروض عند تمام الحول، ثم تخرج الزكاة من القيمة التي قومت بها. وقد نقل الماوردي في “الحاوي الكبير” أن هذا هو القول الجديد الصحيح عند الشافعي.

موقف الإمام الشافعي من إخراج القيمة

الأصل عند الإمام الشافعي أن الزكاة تؤدى من جنس المال الذي وجبت فيه، ولا يعدل عنه إلى غيره بمجرد رغبة المزكي. وقد نص الشافعي في مسائل الزكاة على أن المال الذي وجبت فيه الزكاة لا يستبدل بمال آخر من غير دليل يجيز ذلك.

ومن الأمثلة التي توضح هذا الأصل ما نقله أصحاب مذهبه في مسألة الذهب والفضة، حيث قرر الشافعي أن إخراج أحدهما عن الآخر لا يجزئ، لأن الواجب تعلق بجنس معين من المال. وقد جاء في “الأم” في باب النية في إخراج الصدقة أن الشافعي لا يرى إجزاء الذهب عن الورق ولا الورق عن الذهب، باعتبار أن المخرج غير ما وجب عليه.

ومن هنا يتضح أن موقف الشافعي يقوم على مراعاة النصوص التي حددت أعيان الزكاة وأنصبتها ومقاديرها، وعدم الانتقال إلى القيمة إلا في المواضع التي دل عليها الدليل أو تعلق الوجوب فيها بالقيمة.

الاستدلال بمراعاة جنس المال

يرتبط موقف الإمام الشافعي بفكرة أساسية في باب الزكاة، وهي أن الواجب الشرعي يتعلق في الأصل بجنس المال المزكى. فإذا كانت الزكاة واجبة في الإبل، فالواجب إخراج ما حددته السنة من الإبل أو ما يقوم مقامه في الحالات التي دل عليها الدليل، وإذا كانت في الغنم فالواجب إخراج ما يتعلق بها من جنسها.

وقد أكد علماء المذهب هذا المعنى عند حديثهم عن زكاة الماشية، فذكروا أن الأصل هو أخذ الفرض من جنس المال، مستدلين بالنصوص الواردة في تحديد ما يؤخذ من الإبل والغنم وغيرها.

ولا يعني ذلك أن الإمام الشافعي يغفل جانب التيسير أو مصلحة الفقير، وإنما يرى أن أحكام العبادات لا يغيرها مجرد الاعتبار بالمصلحة إذا كان النص قد حدد كيفية الأداء.

زكاة عروض التجارة والاستثناء المهم

من المهم عند الحديث عن رأي الإمام الشافعي في إخراج القيمة ألا يعمم الحكم على جميع صور الزكاة دون تفصيل، لأن لعروض التجارة حكما خاصا في المذهب الشافعي.

ففي عروض التجارة يقوم التاجر ما لديه من سلع عند تمام الحول، ثم يخرج ربع العشر من القيمة. وقد نقل الماوردي عن الشافعي في القول الجديد أن الواجب إخراج ربع عشر القيمة، وأنه إذا أخرج ربع عشر العروض نفسها لم يجزئه على هذا القول. وعلل ذلك بأن الزكاة وجبت في قيمة عروض التجارة، فكان إخراجها من القيمة هو الموافق لمحل الوجوب.

وهذا التفصيل يبين دقة المذهب الشافعي في التفريق بين الحالات المختلفة، فلا يصح القول بإطلاق إن الشافعي يمنع القيمة في جميع صور الزكاة، كما لا يصح القول بأنه يجيزها مطلقا.

الفرق بين القيمة في عروض التجارة والقيمة عن الأعيان

هناك فرق فقهي مهم بين أن تكون القيمة هي محل تعلق الزكاة، وبين أن تكون القيمة بديلا عن عين وجبت فيها الزكاة.

ففي عروض التجارة، تقوم السلع بالنقود، ثم يخرج التاجر الزكاة بحسب القيمة؛ لأن محل اعتبار الزكاة هو القيمة التجارية لهذه السلع. أما في زكاة الماشية مثلا، فإذا وجبت شاة معينة بسبب بلوغ النصاب، فإن الأصل أن تؤدى الشاة نفسها وفق الضوابط الشرعية، ولا تستبدل بالنقود لمجرد الرغبة في ذلك.

وهذا الفرق يساعد على فهم موقف الإمام الشافعي بصورة دقيقة، ويمنع الخلط بين مسألتين مختلفتين في الحكم والتعليل.

الحكمة من التشديد في إخراج العين

يمكن فهم جانب من موقف الشافعي من خلال طبيعة الزكاة باعتبارها عبادة مالية حدد الشرع مقاديرها وأنواعها. فإخراج العين يحقق صورة المواساة التي قصدتها الزكاة، ويضمن وصول المال إلى مستحقه في الصورة التي تعلق بها الحكم الشرعي.

كما أن الالتزام بالعين يمنع اختلاف التقديرات بين الناس، ويحافظ على الضوابط التي جاءت بها السنة في مقادير الزكاة. ولذلك كان الفقهاء يعتنون بتحديد السن والنوع والقدر في زكاة الأنعام، ولا يجعلون تقدير المزكي للقيمة بديلا مطلقا عن الواجب.

مكانة قول الشافعي بين أقوال الفقهاء

ينبغي عند دراسة هذه المسألة إدراك أنها من مسائل الخلاف الفقهي المعتبر، وأن العلماء لم يتفقوا فيها على قول واحد. فالمشهور عند الشافعية، وكذلك عند المالكية والحنابلة في الجملة، عدم إخراج القيمة في الزكوات التي يكون الواجب فيها عينا، بينما ذهب أبو حنيفة إلى جواز إخراج القيمة في مواضع واسعة من الزكاة.

وهذا الاختلاف يعكس ثراء الفقه الإسلامي في فهم النصوص وتنزيلها على الوقائع المختلفة، مع اتفاق العلماء على أصل وجوب الزكاة وحرمة منعها عن مستحقيها.

أثر هذا الرأي في العمل بالزكاة

يساعد فهم رأي الإمام الشافعي في إخراج القيمة على أداء الزكاة بطريقة صحيحة وفقا للمذهب الذي يتبعه المسلم. كما يبين أهمية الرجوع إلى أهل العلم عند وجود صور معاصرة تحتاج إلى معرفة الحكم الشرعي، خاصة مع تنوع الأموال وتغير صور المعاملات المالية.

وفي المسائل التي تتعلق بالمؤسسات والجمعيات الخيرية، تزداد الحاجة إلى دراسة الأحكام المتعلقة بجمع الزكاة وتوزيعها، ومعرفة ما يجوز فيه إخراج القيمة وما لا يجوز، حتى لا تختلط الأحكام الفقهية بعضها ببعض.

ويتضح من دراسة رأي الإمام الشافعي أن الأصل عنده عدم العدول عن المال الذي وجبت فيه الزكاة إلى قيمته النقدية إذا كانت الزكاة متعلقة بعين المال، وذلك التزاما بالنصوص وتحديدات الشريعة في مقادير الزكاة وأنواعها. وفي المقابل، فإن عروض التجارة لها وضع مختلف؛ لأن تقويمها بالقيمة وإخراج الزكاة منها هو المعتمد في القول الجديد عند الشافعي.

ومن ثم فإن فهم مذهب الإمام الشافعي في هذه المسألة يحتاج إلى التفريق بين إخراج القيمة باعتبارها بديلا عن عين واجبة، وبين الحالات التي تكون القيمة فيها هي محل تعلق الزكاة أصلا. وهذا التفصيل يكشف عن دقة الفقه الإسلامي، ويؤكد أهمية دراسة أقوال العلماء في سياقها الكامل، بعيدا عن التعميم أو الاختزال.

روابط وكلمات مفتاحية
السابق
التالي
ذات صلة
خيانة وزير تفضحها كلمة فقيه وتودي به إلى نهاية مؤلمة
تكشف بعض القصص التاريخية كيف يمكن للمكر والخيانة أن ينقلبا على صاحبهما، وكيف قد يكون الصدق سببا في النجاة،...
المزيد »
الأدب الإسلامي المعاصر رحلة في أعماق الإنسان و تحولات المجتمع
يمثل الأدب الإسلامي المعاصر مساحة مهمة للتعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع، من خلال الجمع بين القيمة الفنية...
المزيد »
الأخلاق الحسنة طريق المحبة وبناء مجتمع أكثر تماسكا
تمثل الأخلاق الحسنة أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة، فهي التي تنظم علاقة الإنسان بغيره،...
المزيد »
مفهوم الاستصحاب وأهميته في استنباط الأحكام الشرعية
يعد الاستصحاب من القواعد الأصولية المهمة التي يعتمد عليها الفقهاء في التعامل مع المسائل التي لا يوجد...
المزيد »
مستقبل المدارس الدعوية في ظل التحولات الفكرية والتقنية
تواجه المدارس الدعوية مرحلة جديدة تفرض إعادة النظر في أدواتها وأساليبها التعليمية، مع تسارع التحولات...
المزيد »
لغة الجسد ودورها في تعزيز قوة الخطاب
لا يعتمد نجاح الخطاب على الكلمات وحدها، فطريقة الوقوف، وحركة اليدين، ونظرات العين، وتعابير الوجه، ونبرة...
المزيد »
الدعوة بالحكمة وأثرها في تقبل الناس للرسالة
الدعوة إلى الله ليست مجرد نقل للمعلومات أو عرض للأحكام، وإنما هي رسالة تقوم على مخاطبة الإنسان بما يناسب...
المزيد »
الخطاب الديني تحت الضغط في عصر السوشيال ميديا
لم يعد الخطاب الديني في العصر الحديث يتحرك داخل المساحات التقليدية التي كانت تقتصر على المسجد أو الكتاب...
المزيد »
بين الأصالة والانفتاح..
يواجه الفكر الإسلامي المعاصر مجموعة واسعة من التيارات والأفكار الوافدة التي فرضتها التحولات السياسية...
المزيد »
شبهة تعارض الدين مع العلم
تتردد من حين إلى آخر شبهة تزعم وجود تعارض بين الدين والعلم، وتقدم الإسلام باعتباره في مواجهة مع الاكتشافات...
المزيد »
رأي الإمام أحمد بن حنبل في المسح على الجبيرة وضوابطه الفقهية
المسح على الجبيرة من المسائل الفقهية التي تظهر فيها مرونة الشريعة الإسلامية ومراعاتها لأحوال المكلفين،...
المزيد »
قاعدة «المعروف عرفا كالمشروط شرطا» وأثر العرف في الأحكام الفقهية
قاعدة "المعروف عرفا كالمشروط شرطا" من القواعد الفقهية المهمة التي تكشف عن مرونة الفقه الإسلامي وقدرته...
المزيد »
«بنوك لبن الآدميات» في الشريعة الإسلامية بين الحاجة الطبية والضوابط الفقهية
أثارت بنوك لبن الآدميات جدلا فقهيا معاصرا، نظرا لارتباطها بمسألة الرضاع وما يترتب عليه من أحكام شرعية،...
المزيد »
فقه المقاصد ودوره في تجديد الخطاب الفقهي ومواكبة تحديات العصر
لم يعد تجديد الخطاب الفقهي مجرد استجابة لتغيرات الواقع، بل أصبح ضرورة لفهم النصوص الشرعية في ضوء مقاصدها...
المزيد »
سر الخلاف بين العلماء حول القنوت في صلاة الفجر
القنوت في صلاة الفجر من المسائل الفقهية التي اختلف فيها العلماء قديما وحديثا، حيث تناول الفقهاء حكمه...
المزيد »

تواصل معنا

شـــــارك